الشيخ محمد اليعقوبي
288
خطاب المرحلة
الذين حددوا السعادة بالمتعة وتلبية الغرائز واحتياجات الجسد إلى حد الإفراط - كما في الغرب - من دون التفات إلى حاجة الروح إلى الكمال ، ونزوع النفس إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة ، وبين أصحاب النظريات الفلسفية والروحية الذين جعلوا السعادة في تحقق الكمالات النفسية ولو على حساب التفريط في احتياجات الجسد ، بل يجعل بعض أهل الرياضات الروحية تعذيب الجسد وإيلامه سبباً لنيل تلك الكمالات وتحقيق السعادة . ويتغافلون بذلك عن حقيقة أن من تمام السعادة تحقيق التوازن في متطلبات كل جوانب الإنسان . وهذا ما وجدناه في شريعة الإسلام دين الفطرة ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ( الروم : 30 ) ففي الوقت الذي تؤكد فيه على الجوانب المعنوية والكمالات الروحية حين تجعل التقوى وتهذيب النفس أساس السعادة والفلاح ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) ( الشمس : 9 - 10 ) وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( وإن السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها اليوم ) « 1 » . فإنها تدعو إلى الأخذ بأسباب الحياة التي توفر الطمأنينة والراحة والسكون للنفس فنرى الحث الأكيد على العمل والكسب بالتجارة أو الزراعة أو غيرهما وتجعل العمل لطلب الرزق الحلال من أفضل القربات إلى الله تعالى ففي الحديث النبوي الشريف ( طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة ) « 2 » وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( من أكل من كد يده كان يوم القيامة في
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، خطبة رقم ( 223 ) قالها عند تلاوته ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) . ( 2 ) بحار الأنوار : 103 / 9 ، ح 35 .